د. محمد خروبات
محاولة في تحديد الفرنكوفونية ما هي؟
يقول بعضٌ إن الحركة الفرنكوفونية ترتبط بقدم تسلط فرنسا على مستعمراتها، ويقول بعضٌ آخر إنها حركة فكرية وثقافية برزت بعد الاستقلال تحاول صهر كل الدول التي كانت تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية في إطار واحد.
النظـرة الأولـى: حبست نفسها في المرحـلة الاســتعمارية، وهي المرحلة التاريخية التي كان فيها بلد ما تحت الاحتلال العسكري لفرنسا، وتنحصر هذه النظرة في لحظة الهجوم ولحظة الخروج العسكري وتحصيل ما يسمى بـ «الاستقلال». وسواء كانت هذه النظرة تنطلق من لحظة الهجوم صوب لحظة الاستقلال، أو تنطلق من لحظة الاستقلال إلى لحظة الهجوم فاستنتاجها يبدو واحداً.
النظرة الثانية: حبست نفسها في مرحلة الاستقلال، وهي المرحلة التاريخية التي بدأ فيها بلد كالمغرب مثلاً يحس بأنه تحرر من الاستعمار العسكري الفرنسي المباشر. وهذه النظرة تحصر نفسها بين لحظة الاستقلال إلى العهود الحالية. وسواء عليها أكانت تنطلق من لحظة تحصيل الاستقلال إلى العهد الحالي أو العكس فإن استنتاجها يبدو ـ هو أيضا ـ واحداً.
تـهمنا الإشارة إلى هاتين النظرتين؛ لأنهما من أقوى الاتجاهات في تحديد الفرنكوفونية في إطار من التاريخية والموضوعية المطلوبتين، وعند النظر يتبين أنهما غير متعارضتين؛ فالنظرة الثانية تكمل الأولى والعكس. وللتوفيق نقول: إن الفرنكوفونية حركة حديثة برزت بعد الاستقلال، لكنها تحتضن كل عوامل الماضي وسلبياته، وهي جزء من الإمبريالية الابتلاعية، غير أنها مرتبطة ببلد واحد، وبدولة غربية واحدة هي فرنسا.
الفرنكوفونية هي حلم فرنسا في تحقيق الإمبراطورية الكبرى:
كانت الفرنكوفونية هي الأسلوب الحسن، والطريقة المجدية التي نجمت عن الحلم الذي ساور فرنسا طيلة مدة، وهو حلم غارق في الرومانسية والخيال، ويؤمن بتحقيق الإمبراطورية الفرنسية في إفريقيا، ويتحقق الحلم حين تتقابل فرنسا الأوروبية مع فرنسا الإفريقية وهي التي يطلقون عليهــا: La France L’autre mer، (فرنسا الأم الأخرى).
لكن السياسة الفرنسية التي نهجتها حكومة الاستعمار في البلدان الإفريقية لم تحقق لا الإمبراطورية الفرنسية الخيالية، ولا الوحدة ولا الازدهار لإفريقيا الفرنسية؛ إنما الذي تحقق هو الزوابع الثقافية، والهزات الفكرية، والنعرات الإقليمية الدامية، والانقلابات السياسية؛ ناهيك عن الاضطرابات الاجتماعية المتتالية. وها هي بلاد المغرب العربي - ومنها المغرب الأقصى- تغلي بالتيارات والأحزاب الفرنكوفونية، ذات الأيديولوجيات العنصرية، بحيث توضع الأيديولوجيا فوق مصالح القطر، والإقليم، والطائفة، والدولة، والدين. وهي كلها محاولات فجة لطمس الهوية والعروبة والتراث. وهذا كله لا يضمن الوحدة بالمعنى السياسي للكلمة.
الفرنكوفونية في المغرب: المراحل والمجالات والأهداف:
المراحل التي مرت خلالها الفرنكوفونية:
مرت الفرنكوفونية في المغرب بمراحل كان أولها المرحلة الثقافية، وهي المرحلة المقصودة عندنا في هذا البحث.
لم تكن الفرنكوفونية في هذه المرحلة - باستثناء الدخلاء المعمرين - تتجاوز الفرد والفردين، على مستوى التعليم والتلقين والتوجيه والتكوين. وكان أسلوب التثقيف الفرنكوفوني يتم عبر جغرافيين داخل الوطن وخارجه. وبمرور الوقت تطورت الفرنكوفونية إلى تكوين معاهد ومؤسسات قادرة على تكوين أجيال. وتنوعت إلى نوعين: مؤسسات عامة هي في ملك السلطة الحاكمة، ومؤسسات خاصة يديرها أحرار لكنهم تابعون وعاملون. ثم قفزت الفرنكوفونية من ميدان اللغة والثقافة إلى ميدان السياسة والاقتصاد. والمغاربـة يذكرون في تاريخ وطنهـم - الذي تعتبر هذه المرحلة جزءاً منه - لجنة البحث والتقصي التي أسسها الاستعمار، وأطلق عليها: (لجنة الأبحاث البربرية)، وهي لجنة ذات طابع فكري وثقافي، يخدم الغرض العسكري والاستعماري. كان من اللازم أن نبين أن الذي أمر بتأليف هذه اللجنة هو المقيم الفرنسي الأول: الجنرال اليوطي، وهذه الشخصية لها دلالات في ذاكرة المغاربة(1)، وتوحي لهم بأشياء كثيرة. كان الغرض إذاً هو جمع الأبحاث المتعلقة بالقبائل البربرية، من جميع أنحاء المغرب، ثم تدرس هذه المعلومات في خطوة ثانية لتستخرج منها نتائج عملية تقدم إلى الإدارة المستعمرة لتساعدها على تنظيم القبائل البربرية وإدارتها. ولخطورة هذه اللجنة لا بد من الإشارة إلى أعضائها المتمثلين في الهيئات، والمؤسسات، واللجان، والأشخاص ذوي الخبرة الاستعمارية الفائقة؛ وذلك من خلال هذا النص الغني بالإيحاءات والإشارات. يقول النص:
(تألفت هذه اللجنة في رباط الفتح، حيث القصر السلطاني، وقصر الإقامة العامة، بتاريخ 9/1/5191م، وتألفت تحت رئاسة الكاتب العام للحماية، وبعضوية رئيس إدارة التعليم، ورئيس إدارة الأوقاف، ومدير إدارة الاستخبارات، ورئيس المكتب الحربي، ومدير المدرسة العليا للغة العربية واللهجات البربرية التي أنشأها المقيم العام اليوطي لهذا الغرض سنة 1913، وبعضوية جميع الأساتذة الذين يدرسون في هذه المدرسة الذين انتخبهم اليوطي من خيرة دعاة السياسة البربرية في الجزائر وتونس وفرنسا. ونظرة واحدة إلى هذه العناصر، التي تكونت منها هذه اللجنة تكفي للدلالة على الغرض البعيد الذي كان يرمي إليه اليوطي من السياسة البربرية في المغرب. يضاف إلى ذلك أن الإقامة العامة قد وضعت بهذه اللجنة مبدأ «استئجار العلماء» ومن يحملون الألقاب العلمية، فاتخذت من أساتذة المدرسة العليا للغة العربية واللهجات البربرية خدمة مأجورين، وأماتت فيهم الضمائر الحية التي يمتاز بها العلماء ويبحثون في ضوئها حقائق الوجود. وأصبحت كل أبحاثهم وكتبهم عبارة عن دعاية قوية باسـم العلم إلى السياسة البربريـة الخـرقـاء)(2).
وإلى جانب هذا يذكر المغاربة في تاريخهم الوطني الإدارة التي أنشأها الاستعمار، وسماها بـ (إدارة الشؤون الأهلية)؛ حيث كان الهدف منها تكوين (جماعات بربرية)، مع إيجاد أنظمة لها تدعى (الجمعيات القضائية). وقد دعمت هذه الإدارة بعدة ظهائر وقرارات، وصدر أول تنظيم لها فيما بين سنتي 1923م، 1924م، ونجحت في إنشاء نحو من ثمانين جماعة بربرية، وما زال التاريخ يذكر إنشاء المجالس والمعاهد الفرنكوفونية، وتطور ذلك اليوم إلى صيغة حديثة ومعاصرة، وبدأت تختار في عضويتها بعض الأسماء المغربية اللامعة، نذكر من ذلك مثلاً (المجلس الأعلى للفرنكوفونية) الذي تأسس في فرنسا بظهير رئاسي في شهر مارس/ آذار من سنة 1948م، وكان الكاتب المغربي الطاهر بن جلون واحداً من أعضائه. وكان هذا المجلس ثمرة لجهود متواصلة سابقة بدأت بعنصر الاتصال الأول الذي تم بين المجتمع المغربي المدني، والقوات الاستعمارية العسكرية. ومنذ الوهلة الأولى بدأ الاهتمام بالإقامات العصرية، والمدارس العصرية، والإدارات العصرية، والتسيير العصري، وفي المقابل حصل تهميش ذريع لكل ما هو تقليدي؛ فالإقامات العصرية ليست كالمساكن البالية، والمدارس العصرية هي بخلاف المدارس العتيقة، غير المجهزة تجهيزاً كاملاً، والإدارات العصرية ليست كالإدارات التقليدية التي لا تقوى على الصمود أمام خدمات المواطنين المحدثين.
هكذا بدأ الميل إلى كل ما هو عصري وحديث. وامتد ذلك إلى الفرش والأثاث واللباس والأكل وطرق الزينة. لا يخامر الشك أحداً في أن هذا كله هو نتيجة فكر وثقافة، يتم توصيلهما عبر لغة، تحمل في معانيها شحناً من التأثير البليغ. فمن خلالها حصل الامتداد؛ حيث اشرأبت الأعناق إلى تعلم لغة المستعمر الذي (فَرْنَسَ) كل المؤسسات، وجعل من اللازم على كل مغربي يريد ولوج سلك الإدارة المغربية، أن تجرى له اختبارات في اللغة الفرنسية، أو يكون حائزاً على شهادة تثبت مستواه اللغوي.
ومما تجب الإشارة إليه أن الفرنكوفونية لم تعد حكراً على فئة معينة من المتعلمين التلاميذ؛ بل امتد ذلك إلى آبائهم وأمهاتهم؛ إذ كانت سياسة المستعمر التعليمية أن البيت إذا لم يكن ناطقاً بالفرنسية فإن هذا ينعكس سلباً على مستوى التلميذ؛ فللرقي به، وللرفع من مستواه يستدعى أولياؤه ليأخذوا حصصاً منتظمة في اللغة. ونجحت هذه العملية بشكل كبير، وكانت الحصص تعطى مجاناً، وبعد أن حققت نجاحاً باهراً بدأ التنافس على التعليم الفرنكوفوني، وفتحت المدارس والمعاهد أبوابها لتلقين اللغة بالمقابل، وهو الأمر الذي يتم اليوم وباكتظاظ شديد. وتتبع هذه المدارس سياسة التمييز الطبقي في تسجيل الأبناء؛ بحيث لا تختار سوى أولاد الطبقة البورجوازية، وأبناء الفعاليات العليا. أما أولاد الطبقـة المتوسـطة والفقـيرة؛ فلا مكان لهم فيها، وهذه سياسة مفضوحة؛ فالاستعمار يركز على الرؤوس وأصحاب القرار النافذ أكثر من غيرهم. وإذا نجح في ذلك فإنه يمسك البلد من ناصيتها، وقد نجح فعلاً في ذلك، ولبيانه لا بد من الإشارة ولو بصفة عابرة إلى المجالات التي تنتشر فيها الفرنكوفونية.
المجالات التي تنتشر فيها الفرنكوفونية:
عن أي مجال نتحدث؟ هل نتحدث عن المجال الإعلامي الذي هو فرنكوفوني في القناتين المغربيتين الأولى والثانية؟ أم نتحدث عن البحث العلمي في كليات العلوم والطب والصيدلة، وفي المدارس العليا للتجارة والمعلوميات والهندسة، هذه المدارس التي لا تقيم وزناً للغة العربية، والتدريس فيها لا يكون إلا بالفرنسية؟ أم نتحدث عن كليات الآداب والعلوم الإنسانية وشُعبها، حيث تزاحم الفرنسية العربية في كل شعبة؟ أم نتحدث عن الأنشطة العلمية الإشعاعية والتي تقام لها تغطية إعلامية واسعة، وتقدم لها إعلانات هائلة؟
إن الفرنكوفونية تنتشر في كل المجالات تقريباً، ونشير هنا إلى المجالات الحيوية التي تبني توجه البلد، وتحدد مساره. وأقوى هذه المجالات هو المجال الثقافي، والمجال العلمي، والمجال الإعلامي، والمجال الإداري.
في ميدان العلوم الإنسانية تبرز الفرنكوفونية في القصة القصيرة، والرواية، والمسرح، والترجمة، كما تبرز في علم الاجتماع، وعلم النفس، وفلسفة العلوم، والاقتصاد، والدراسات الحقوقية والقانونية. أما في التخصصات العلمية فللفرنسية السيادة المطلقة؛ إذ لا تنافسها سوى الإنجليزية وهي ـ على كل حال ـ لغة لاتينية.
وللتمكين يسرت فرنسا مأمورية التلقين من جهة أخرى، فسهلت طريقة التسجيل في الجامعات والمعاهد الفرنسية، وهذه الظاهرة جديرة وحدها بالدراسة والبحث. إننا لا ندري على وجه التحديد كم هي الأعداد التي تتخرج في كل سنة من المعاهد والجامعات الفرنسية؟ ولا ندري على وجه اليقين كم عدد الطلبة والباحثين الذين يتلقون تعليماً وتربية فرنكوفونية في المغرب، وفي فرنسا؟ ويبدو أن العدد هائل، وهو يزداد سنة بعد أخرى.
إذا كان هذا عن المجالين الثقافي والعلمي؛ فإن للمجال الإعلامي والإداري دوراً أكبر في هذا السياق؛ فجل الجرائد والمجلات الوطنية تكتب بالفرنسية، وتستقل القناة التلفزية الثانية بالقيام بالدور الفرنكوفوني. وهو دور يكاد يوازي القناة الفرنسية الخامسة التي تكلفت بتوسيع مدى الفرنكوفونية على أوسع نطاق في العالم التابع.
أما الإدارة المغربية فلغة التواصل فيها تتم باللغة الفرنسية، وجل الوثائق تسلم للمواطنين بالفرنسية، وحتى إن القرويين الذين تخيم عليهم آثار الأمية ما زالوا يتسلمون وثائقهم الإدارية بهذه اللغة، وهذا وحده كاف في بيان عمق تغلغل الفرنكوفونية في المغرب المسلم، وهو يجري لأهداف لا بد من بيانها، وهو الأمر الذي نشير إليه في النقطة التالية.
أهداف الفرنكوفونية:
من خلال الفرنكوفونية يتم نشر التغريب وتكريس التبعية المذلة، وبالفرنكوفونية يتم تشتيت الأسرة المسلمة باسم حرية المرأة وحقوقها وباسم حرية الطفل وحقوقه، وبالفرنكوفونية يتم نشر الخلاعة الفكرية المنافية للأعراف، والمخالفة للتقاليد، والمضادة للأخلاق والقيم، وباسم الفرنكوفونية يتم التضييق على الثقافة الإسلامية الأصلية، ويتم تهميش الأطر الفاعلة في هذه الثقافة، وبالفرنكوفونية يتم الإصلاح، وبها ومن خلالها وفي ضوئها تطور الأوضاع الاقتصادية والثقافية والتعليمية والتربوية.
إذا كانت الفرنكوفونية قد قصدت إلى مس الشعب المغربي في وحدته الأخلاقية والدينية، وإلى زعزعة ثقته بوحدته اللغوية، فقد قصدت أيضاً إلى المس الصريح والواضح بوحدته الوطنية والسياسية. وتحقق بذلك ما رمى إليه الفرنكوفونيون الاستعماريون من أمثال ريبو في كتابه: (الجماعات القضائية البربرية)، من أن التأثير في الوحدة السياسية إنما يحصل بالتأثير في الوحدة الثقافية، وأن هذا التأثير (لا يتم بين عشية وضحاها، وأن هذا العمل ليس عمل سنة واحدة، أو جيل واحد بل هو عمل يتم في عشرات السنين، وفي عدة أجيال)(3).
الفرنكوفونية في المغرب: الأساليب والأبعاد:
أسلوب تدمير التقاليد والثقافة والتراث:
كان من سياسة الاستعمار أنه يمانع دائماً في بناء مراكز منظمة وإدارات محترمة للمعاهد والمدارس ومراكز القضاء الإسـلامي؛ فهي لا تريد أن تعترف بكل ما له صلة بالإسـلام، ولا سيما في ميدان التعليم والقضاء، بينما المعاهد والمدارس ومراكز ا